الشيخ محمد رشيد رضا
531
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ركن الدين الأعظم الذي هدمته الوثنية ، وثنى بالأوامر والنواهي المتعلقة بحالهم الغالبة عليهم . وأما هذا النهي عن قطعهم الطرق على من يغشى مجلسه عليه السّلام ويسمع دعوته ويؤمن به فلم يؤخره لان اقترافه دون اقتراف التطفيف في الكيل والميزان وبخس الحقوق ، بل لأنه متأخر عنها في الزمن ، فالدعوة قد وجهت أولا إلى أب الناس اليه في بلده ثم إلى الأب فالأب منهم وممن يزور ارضهم ، وقد كان الابون دارا هم الأبعدين استجابة له في الأكثر وتلك سنة اللّه في الخلق . فلما رأوا غيرهم يقبل دعوته ويعقلها ويهتدي بها شرعوا يصدون الناس عنه فلا يدعون طريقا توصل اليه إلا قعد بها من يتوعد سالكيها اليه ويصدونهم عن سبيل اللّه التي يدعوهم إليها ، يطلبون بالتمويه والتضليل أن يجعلوا استقامتها عوجا وهداها ضلالا ، وتقدم مثل هذه الجملة ( في الآية 44 من هذه السورة في ص 427 فليراجع ) روي عن ابن عباس ( رض ) في قوله ( وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ ) قال كانوا يجلسون في الطريق فيقولون لمن أتى عليهم إن شعيبا كذاب فلا يفتننكم عن دينكم . وفي رواية عنه بكل صراط طريق - توعدون قال تخوفون الناس أن يأتوا شعيبا وهذا تفسير للصراط بالطريق الحسي الحقيقي وروي عن مجاهد تفسيره بالسبيل المجازي قال ( بِكُلِّ صِراطٍ ) بكل سبيل حق الخ وروي أنهم كانوا يخوفون الناس بالقتل إذا آمنوا به والحاصل أنه نهاهم هنا عن ثلاثة أشياء ( أولها ) قعودهم على الطرقات التي توصل اليه يخوفون من يجيئه ليرجع عنه قبل أن يراه ويسمع دعوته ( ثانيها ) صدهم من وصل اليه وآمن به بصرفه عن الثبات على الايمان والاسلام والاستقامة على سبيل اللّه تعالى الموصلة إلى سعادة الدارين ( ثالثها ) ابتغاؤهم جعل سبيل اللّه المستقيمة ذات عوج بالطعن والقاء الشبهات المشككة فيها أو المشوهة لها كقولهم له عليه السّلام الذي حكاه اللّه تعالى عنهم في سورة هود ( أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ) ؟ فههنا ضلالتان - ضلالة التقليد والعصبية للآباء والأجداد ولا تزال تكأة أكثر الضالين في أصل الدين وفي فهمه وفي الاهتداء به - وضلالة الغلو في الحرية الشخصية التي لم تكن فتنتها في زمن ما أشد وأعم منها في هذا الزمن بما بث الإفرنج الفاتنون المفتونون لدعوتها في كل الأمم ، حتى إن حكومة كالحكومة المصرية تبيح الزنا لشعب يدين أكثر أهله بالاسلام وأقله بالنصرانية واليهودية وكلهم يحرمون